مصطفى لبيب عبد الغني

98

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

و « العلل » و « المبادئ » الكلية « 1 » ، كما أن الحضارة اليونانية - بحكم طبيعتها - قد انتهت إلى صياغة مفهوم مجرد للمعرفة العلمية يتساوق الكمال فيه صعودا مع المبدأ النظري والابتعاد عن الواقع الحي ؛ الأمر الذي أدى إلى أن تتوارى الطريقة الأبقراطية زهاء أربعة عشر قرنا بعد أن كانت قد استقرت على ثلاث قواعد هي : مراقبة المرضى وتدوين الملاحظات واستخراج النتائج المترتبة على خبرة الملاحظة . وتكفى مطالعة كتاب جالينوس عن فرق الطب للمتعلمين « 2 » للوقوف على تعدد مناهج البحث الطبى وتراجع المنهج الأبقراطى أمام منهج " القياس " . ويسجل تطور التاريخ العلمي في العصر الوسيط بزوغ النظرة العلمية الإسلامية وتناميها المستمر ، وهي نظرة قلّما كانت تستهدف النفاذ إلى الجوهر الميتافيزيقى للطبائع أو أن تجعل من أهدافها تقصى مقاصد الإرادة الإلهية ؛ بل كانت تجد التعبير السليم عن ذاتها في ملاحظة قوانين الطبيعة والاستفادة منها في تسخير الكون وفي تطوير نمط من التفكير الوضعي « العلمي » التجريبي ؛ وما يقتضيه هذا التفكير من منطق يخصه ومن منهج عملي يتميّز عن المنهج « الصوري » الذي كتبت له السيادة في الحضارة اليونانية وفي غيرها من الحضارات التي ترسّمت خطاها منذ زمانها البعيد وحتى بداية العصور الحديثة .

--> - الفلورنسى ( المتوفى 1502 ) للحالة المرضية بعد الوفاة . إلّا أن الفاصل الزمنى بين أبقراط وبينيفينى يبلغ نحوا من ألفي عام . « إن إفراط جالينوس ، ثم أطباء العرب ، في الاحتكام إلى العقل ، وإغراقهم في الزهو ، أنسى الناس أحيانا نباهة أبقراط الفطرية ، وحجب حكمته ووداعته عن أنظارهم . لكن أفذاذ الرجال في كل عصر كانوا دائما على استعداد ليؤدوا إلى شيخ الطب ما يستحقه من الإكرام ، ولأن يحاولوا النسج على منواله ، ولست أقصد علماء فقه اللغة الطبى . . . بل أقصد - بالأحرى - الأطباء الاكلينيكيين ( ص 234 ) . ( 1 ) راجع أفلاطون : « فايدروس » ، ص 115 - 119 . ( 2 ) " كتاب جالينوس في فرق الطب للمتعلمين " نقل أبى زيد حنين بن إسحاق العبّادى ، بتحقيق وتعليق محمد سليم سالم ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1978 .